تُناقش هذه النظرة العامة بإيجاز أربع مجالات ذات دور حاسم للإنسانية المُعاصرة، وهي الدبلوماسية الإنسانية والتعليم في حالات الطوارئ ومفهوم المجتمع المدني في العمل الإنساني والحدود الإنسانية.

انتشرت الإغاثة الإنسانية في جميع أنحاء العالم منذ مُنتصف القرن التاسع عشر على أقل تقدير وذلك لتتحول إلى سرديةِ خلاصٍ عالمية. أما اليوم فيتم العثور على هذا في مفهوم "الإنسانية", "humanitarianism" حيث تُجسد اللاحقة "ism" مجموعة كاملة من المُعتقدات والممارسات والفئات والخطابات والإجراءات، والتي على الرغم من مرونتها وقابليتها السريعة للتغيُّر، إلا أنه يمكن التعرف عليها على أنها "إنسانية". تتجلى الإنسانية في تعدد الأفعال والحركات والأخلاق التي تختلف في تنفيذها والتعبير عنها والتي مع ذلك تكون مُتماسكة من حيث نواياها المثالية. على الرغم من استناد هذه النيّات على المبادئ الإنسانية الأساسية مثل "الحياد" و "الاستقلال “و"الإنسانية" و"عدم الانحياز"، إلا أنها تتجاوز هذه المبادئ لتعريف الموقف الإصلاحي الحديث الذي يتم التعبير عنه بصِيَغ التعاطف والسُلطة. النزعة الإنسانية ليست في الواقع مُجرّد رد فعل على أزمةٍ ما، لكنها شبكة واسعة ومتطورة ومتعددة النطاقات من مُختَلف الفاعلين والسياسيين والهياكل. كما وأنها طريقة تَدَخُّل تهدف إلى تحسين العالم، روحٌ عالميّة مدفوعة بدعوة تلبية الاحتياجات البشرية في ظروفٍ غير عادية أو غير متوازنة أو غير مُتكافئة. فعلى هذا النحو تُشكل الإنسانية سمة مُتَسقة وهامة للحداثة، ويتشابك تاريخُها مع أفكار ومُمارسات الخلاص والتحرير.

لطالما كان تأمين الوصول للمساعدات الإنسانية أثناء النزاعات وحالات الطوارئ المُعقّدة مصدرُ قلقٍ كبير لواضعي السياسات والجهات الإنسانية الفاعلة. وبالتالي جرت المفاوضات الإنسانية تاريخياً في حالات انعدام الأمن الشديد والظروف السياسية غير المستقرة وذلك من أجل تأمين الوصول للمساعدة وحماية المدنيين. (Mancini-Griffoli and Picot 2004; Pease 2016) أدت مُمارسات المُفاوضات الإنسانية الضمنية، وحتى الخفية في بعض الأحيان، إلى مفهوم الدبلوماسية الإنسانية (Magone, Neuman, and Weissman 2011) والذي بدأ بالانتشار بشكلٍ أكثر اتِساقاً في أوائل القرن الواحد والعشرين (على الرغم من وجود استخدامات لهذا المُصطلح قبل فترة طويلة). يتم تعريف الدبلوماسية الإنسانية عموماً بأنها إقناع صانعي القرار وقادة الرأي من أجل العمل في جميع الأوقات وفي جميع الظروف لصالح الأشخاص المُستَضعفين وذلك مع الاحترام الكامل للمبادئ الإنسانية الأساسية. وتشمل الدبلوماسية الإنسانية الأنشطة التي يقوم بها الفاعلون في المجال الإنساني للحصول على مساحةٍ من السلطات السياسية والعسكرية يُمكِنُهم من خلالها العمل بنزاهة. تشمل هذه الأنشطة الترتيب لوجود المُنظمات الإنسانية في بلدٍ ما، والتفاوض بشأن الوصول إلى السكان المدنيين الذين يحتاجون المساعدة والحماية، ومُراقبة برامج المساعدة، وتعزيز احترام القانون والأعراف الدولية، والانخراط في تأييد ودعم الأهداف الإنسانية على مستوياتٍ متنوعة. (Minear and Smith 2007)

يتم فَهِم الدبلوماسية الإنسانية ضمن هذا السيناريو على أنها وسيلة للوصول إلى الأشخاص الأكثر ضعفاً. في الواقع كان الالتزام بعدم "ترك أي أحد يتخلّف عن الركب" سمة رئيسية للمناقشات حول أهداف التنمية المُستدامة، كما أن هناك إجماع سياسي مُتزايد على أن تفعيل هذا الهدف هو عنصر حاسم في خطة عام 2030 (تحويل عالمنا: خطة التنمية المُستدامة لعام2030) الصادرة عن الأمم المتحدة. ومع ذلك يوجد هناك توتر كبير مُتأصّل في الدبلوماسية الإنسانية. تتعلق الدبلوماسية أساساً بتمثيل كيان سياسي مُقابل كيان سياسي آخر، بينما تتعلق الإنسانية بالدفاع عن الأشخاص المُحتاجين ومساعدتهم. فلذلك، تتميز الدبلوماسية بالتسوية والاتفاقات البراغماتية، في حين أن الصورة العامة للعمل الإنساني (والتي غالباً ما تتعارض مع ما يحدث في الجانب العملي) هي عكس ذلك: أي أنها تتعلق بالعمل من أجل المُثل العُليا والمبادئ العالمية بغض النظر عن مصالح فاعلين سياسيين مُحددين.

بينما يُدافع بعض المُمارسين للمجال عن الموقف اللاسياسي للإنسانية، فقد عارض العلماء هذا الادعاء إلى حدٍ كبير، مُشيرين إلى أنه لا يمكن اعتبار الإنسانية خارج سياقاتها العملية، والتي ما تكون دائماً سياسية ومُتشابكة ضمن مجموعة مُتنوعة من المُمارسات الدبلوماسية.

من الناحية التحليلية، فإن فَهِم الدبلوماسية الإنسانية من خلال فهم مُمارساتها يُسهّل تصوُّر هذه الدبلوماسية في إطار التعددية الأوسع للدبلوماسية.  (Turunen2020) امتد استخدام وتصوُّر الممارسات الدبلوماسية إلى ما هو أبعد من نظام دولة ويستفاليانWestphalian.

 إن فهم الدبلوماسية بمعناها التقليدي فقط، حيث يتم احتكارها من قِبَلْ الدول والمؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، لا يعكس بشكلٍ كافٍ واقع المُمارسات الدبلوماسية والبُنى التحتية الحالية. من الواضح بأن فكرة اقتصار الدبلوماسية على السيادة وفن الحكم هي فكرة خاطئة ومُضَلِلة. فلا يمكن ببساطة اختزال تعقيد التحديات العالمية، مثل النزاعات والكوارث البيئية وتدفق اللاجئين، باهتمامات الجهات الحكومية التي يمكن أن تُلبيها الدبلوماسية التقليدية (Turunen 2020: 465). الدبلوماسية هي عمل مُتعدد الأطراف داخل شبكات من مُختَلَفْ الجهات الفاعلة ذات الاهتمامات والهَوِيّات والتفاهمات المتنوعة لما هو العالم (أو كيف يجب أن يكون) وكيف يعمل (Constantinou 2013; Turunen 2020). إن تنوّع الجهات الإنسانية الفاعلة المُشاركة في حالات الطوارئ المُعَقَدة وتنوّع أولويّاتها وأهدافها المُتنافِسة تقوم بإنتاج مفاهيم ومُمارسات مُختلفة للدبلوماسية الإنسانية. تختلف التعريفات والمحتوى المُتَصوَّر لهذه المفاهيم والممارسات على نحوٍ كبير كاختلاف عدد المُنظمات (أو الدول) التي تستخدمها. هناك فرق كبير بين تصوّر فكرة الدبلوماسية الإنسانية، من حيث استخدام المصطلح نفسه، والوصول إلى الاعتراف الدولي بتعريفها والاتفاق على كيفية إداراتها (Régnier 2011). كما أظهرت الأزمات الإنسانية الهائلة، مثل تلك التي حدثت في البوسنة وأفغانستان والعراق واليمن وسوريا، بأن المناطق الآمنة التي يهدف العمل الإنساني إلى توفيرها أصبحت بشكلٍ مُتزايد أهدافاً للأطراف المُنخرِطة في النزاع. الأمر الذي يترك العديد من الأشخاص إما مُحاصرين داخل النزاع أو مُجبَرين على الفرار باستخدام الطرق التي قد تجعلهم عُرضة لخطر الاستغلال والاتجار بالبشر، وحيث يكون هناك وصول العاملين في المجال الإنساني ضئيلاً أو معدوماً. إن المخاطر التي تواجه العمل الإنساني هي نتيجة لمناطق الحروب والأزمات الطويلة حيث يكون السكان المدنيون هناك هم الضحايا المُستَهدَفون، وحيث يصعب الوصول إلى هناك، وحيث يكون عمال الإغاثة في خطر أن يُنظَر إليهم كتهديد أو كهدف اختطاف، وحيث يكون هناك قلق على سلامتهم الجسدية (Barnett and Weiss 2008). يواجه الوصول إلى المُساعدات الإنسانية تحديات مُتزايدة بطريقة تُعيد تحديد دور الجهات الإنسانية العاملة وقدراتها الدبلوماسية. أن طابع النزاعات العنيفة يتغيّر بحيث أصبح تسييس الوصول إلى المساعدات جزءاً لا يتجزأ من النزاع نفسه. (De Lauri 2018)

في سياقات ما بعد الحروب والكوارث، يجب على السلطات الوطنية والمنظمات الدولية غير الحكومية توفير الوصول إلى التعليم للأطفال الذين نزحوا أو تأثروا بطريقةٍ ما بسبب تقييد الحركة وانعدام الأمن المتزايد وتراجع البنية التحتية أو النقص في الموظفين المؤهلين، أو بسبب فقدان سُبلْ العيش وفقدان الأُسرة. المدارس ليست في مأمن من الهجمات المُباشرة في أوقات النزاع المُسلّح. فعلى سبيل المثال، ربما تكون المدرسة في المناطق الريفية على شكل بناءٍ وحيدٍ ودائم، مما يجعلها عُرضة للقصف أو الإغلاق أو النهب. كما وقد يُصبح المدرسون المحليّون أيضاً أهدافاً أساسية على اعتبارهم أعضاء مهمين في المُجتمع، وقد يكون لديهم آراء سياسية قوية، مما يجعلهم يجسدون الشكل الوحيد للتمثيل الحكومي في القرية المُنعزلة. يُعتَبَرْ تدمير شبكات التعليم أحد أشد النكسات الديمقراطية في البلدان المُتَضررة من النزاعات. عادةً، يستغرق تعويض التدهور وفقدان التعليم الأساسي والمهارات المهنية سنوات عديدة، مما يجعل المهمة الإجمالية للتعافي بعد الحرب صعبة للغاية (Aguilar and Retamal 2009). كمبدأ أساسي، تُلزِم اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 الدول الأطراف فيها باتخاذ جميع التدابير المُمكنة لضمان حماية ورعاية الأطفال المُتأثرين بنزاعٍ مُسلّحٍ ما، وجعل التعليم الابتدائي مُتاحاً وإلزامياً دون قيود.

بسبب ارتفاع عدد الأطفال المُتضررين من الكوارث والحروب، تم توسيع التعليم في حالات الطوارئ كمجالٍ فرعيّ للخبرة والمساعدات. وغالباً ما يكون التعليم في مشاريع الطوارئ جزءاً من برنامجٍ أكبر يقوم بالتشجيع على التغيير الاجتماعي والقدرة على الصمود على المستوى الاجتماعي.

وفقاً للقانون الدوليّ، فإنه يمكن للأطفال اللاجئين المُهَجّرين الالتحاق بالمدارس العادية في البلدان المُضيفة، لكن القليل من هؤلاء الأطفال يكون قادراً على ذلك عملياً. حيث تَرفُض بعض الحكومات المُضيفة إتاحة الأنشطة التعليمية للأطفال اللاجئين أو حتى السماح للمنظمات الإنسانية بتوفير هذه الأنشطة (Aguilar and Retamal 2009).  قد يتراوح التوفير الدائم للتعليم في حالات الطوارئ من التعليم المنزلي الانتقالي إلى المساعدة في المُعسكرات والمدارس في المجتمعات المُضيفة وذلك لمُضاعفة التعليم المدرسيّ (Aguilar and Retamal 2009). تتطلب حماية حق الأطفال في التعليم في حالات الطوارئ الاهتمام بدورة التعليم التامة وذلك من خلال دعم الأُسَر وإعادة بناء المدارس. من بين الاهتمامات الأُخرى، يجب على مُقدمي التعليم أن يأخذوا بعين الاعتبار كيفية(إعادة) دمج المدارس مع المؤسسات المُجتمعية الأكبر وكيفية استعادة الثقة من خلال الوصول إلى "سُلَّم" التعليم. ومن المهم أيضاً نقل المهارات والقيَم الحياتية للصحة والمساواة بين الجنسين والمُواطَنة المسؤولة والوعي البيئي، وتوفير الحماية للفئات المُهَمّشة مثل الأقليات والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة والمُراهقين المُتَسَربين من المدارس (Sinclair 2007). على الرغم من وجود الاتفاقيات والإجراءات التي تضمن الوصول إلى التعليم في بعض السياقات، إلا أن هذه الاتفاقيات والإجراءات غالباً ما تفشل في ضمان جودة التدريس والتعلُّم، وكذلك ضمان الاستجابة التعليمية (Gallano 2018). تهدف التقييمات التشاركية التصاعدية لمشاريع التعليم إلى تحديد التحديات التي يمكن أن تواجه الجدول الزمني لحالات الطوارئ المُعقّدة، كما وتهدُف إلى إنتاج المعرفة والقدرة على تبني منظور يُركّز على الطفل (Maclure 2006). وتتضمن هذه التقييمات أيضاً النظر والاهتمام ليس فقط في التعليم الرسمي، ولكن بالعمليات التعليمية غير الرسمية أيضاً، والتي يمكنها أن تلعب دوراً مُهمّاً في المجتمع، خاصةً في أوقات الصراع (Anderson and Mendenhall 2006). 

تعود نشأة مفهوم المجتمع المدني من فكرة الكاتب شيشرون Cicero, والذي هي بحد ذاتها تطور لفكرة أرسطو عن (المجتمع السياسي). يمكن ربط الاستخدام المُعاصر للمصطلح بشكلٍ مباشر بالفكر الأوروبي الحديث والذي يُشير إلى شبكة كثيفة من المجموعات والمجتمعات والعلاقات والروابط التي تقف بين الفرد والدولة الحديثة (Kenny 2007). ويمكن فهمه عموماً على أنه "القطاع الثالث" من المجتمع، والذي يتميز عن الدولة والسوق. وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يُشير المجتمع المدني إلى ساحة العمل الجماعي حول الاهتمامات والأهداف والقيم المُشتركة. على الرغم من أن الأشكال المؤسسية للمجتمع المدني يتم وصفها عادةً بأنها مُتميّزة عن تلك الخاصة بالدولة والأسرة والأسواق، إلا أن الحدود بين هذه الأشكال المؤسسية والمجتمع المدني غير واضحة ويتم التفاوض عليها. يشمل المجتمع المدني مساحات مُختلِفة، وفاعلين، وأشكال مؤسسية، تتفاوت في درجة شكليّتِها واستقلاليتها وسلطتها. كما ويشمل المجتمع المدني منظماتٍ كالمؤسسات الخيرية المُسَجّلة، والمنظمات غير الحكومية، والمجموعات المُجتمعيّة، والمنظمات النسائية، والمنظمات الدينية، والجمعيات المهنية، والنقابات العُمّالية، واتحادات التجارة، ومجموعات المساعدة الذاتية، والحركات الاجتماعية، والائتلافات، ومجموعات الدعم (WHO 2007). تعتبر الأمم المتحدة الشراكات مع المجتمع المدني ضرورية للنهوض بالمُثُل العُليا للمنظمة ودعم عملها (www.un.org).  ومع ذلك، فإن هذا الرأي يعكس موقفاً عامّاً من استخدام مفهوم المجتمع المدني بمعنى غامض في القطاع الإنساني. وعلى الرغم من اعتبار فكرة المجتمع المدني فكرة استراتيجية عند القيام بتنفيذ التَدَخُلات القائمة على أسس الشراكات المحليّة، إلا أنه غالباً ما يتم حشدها من قبل الجهات الإنسانية الفاعلة كوسيلة لاكتساب الشرعية بدلاً من تعزيز الملكية المحليّة.

نما "القطاع الثالث" بشكلٍ سريع منذ التسعينيّات. إن ما يعرِفهُ الكثيرون بالثورة النقابية العالمية كانت مُرتبطة بثلاثة عناصر رئيسية على الأقل: أزمة الدولة واسعة النطاق من أجل توفير الرفاهية والحماية، نمو عدد ومهارات الفاعلين المُتَطوعين المُنَظَمين (مدفوعة بإمكانيات جديدة للمعلومات والاتصالات)، تأثير الليبرالية الجديدة (Salamon et al. 1999). وعلى الرغم من هذا النمو السريع وترسيخ فكرة المجتمع المدني العالمي، لايزال مفهوم المجتمع المدني بحد ذاته يتحمّل درجة مُعيّنة من الغموض ويظل مفتوحاً للأسئلة المُتعلّقة بتعريفه الصحيح والطرق المُختلفة التي تم تطبيق المفهوم بها في أوقاتٍ مُختلفة وأماكنٍ عديدة (Foley and Edwards 1996). تم استخدام المجتمع المدني، على سبيل المثال، لتعزيز التحوّل السياسي والاقتصادي في البلدان الشيوعية السابقة وكذلك لتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان في الدول الهشّة (Roy 2005). تؤكد الانتقادات أيضاً على الطرق التي يقوم المجتمع المدني العالمي بها بشكلٍ متزايد تمثيل التراجع عن الحقوق العالمية ويعزز سياسات الحكومات المانحة الرسمية التي تقوم بضبط السكان (Pupavac 2005).

أحد الأسئلة الرئيسية الأُخرى، يدور حول ما إذا كان من المنطقيّ التمييز بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي. يتم حشد مجموعات مُختلفة من المجتمع المدني - من أصحاب النفوذ حتى المنظمات الدينية- باستمرار لتحقيق أهداف سياسية. يمكن أن يكون التمييز الصارم بين الجماعات السياسية والمدنية مُضَلِّلاً. لذا، فإن مفهوم المجتمع المدني مُتناقِض في جوهره لأنه لا يقوم بالإيضاح عندما يُصبح المدني سياسياً (Foley and Edwards 1996).

بعيداً عن الدلالات، يرى البعض المجتمع المدني- أو المجتمع المدني العالمي- كفاعل إنساني بحد ذاته، وهو أمر ضروري للمطالبة بالحق في المساعدة الإنسانية (Miglinaité 2015)، بينما يبقى الآخرون مُتشككين بشأن الطبيعة العالمية للمُصطلح ولاسيّما أن المُصطلح يميل إلى جعل أدوار ونوايا المجموعات الاجتماعية والمنظمات والجماعات الأُخرى في البيئات الإنسانية أقل وضوحاً.

 

Photo by Markus Spiske

 

يُمثّل عالم بلا حدود شعاراً لمؤيدي العولمة، سواء كانوا شركات كبيرة أو منظمات إنسانية. ومع ذلك، يتم اعتبار انتشار الجدران والأسوار غير مُتعارض مع خطابات وتدفُقات العولمة. فأولئك المؤيدين للعولمة يقومون برسم "خطوط الصدع للعولمة" (Ritaine 2009)، حيث يتم بناؤها ضد هذه الخطابات والتدفقات. تقوم الجدران والأسوار بمُفاقمة عدم المُساواة كما وترمز إلى التأكيد على وجود القِلّة المُتميّزة والتي تعيش بالفعل على وعود العولمة وتُدافع عن امتيازاتها من خلال السياسات التجارية وسياسات بناء الحواجز (Rosiere and Jones 2012). في الوقت نفسه- كنوع من التنازع على السيادة والسلطة- تتشكل الجدران الحدودية من خلال سياسية "المنزل القومي"، مما يعني بأن الدولة محكومة كما لو كانت منزلاً (Walters 2004): فالجدران عبارة عن حدود مادية تتجسد من خلالها مفاهيم المنزل والحماية. في نطاق الأزمات لا تشكل التصاميم المادية وحدها حدوداً، بل تصبح الحدود الطبيعية (مثل الصحاري والبحار) أدوات للردع ودوريات فصلٍ وتمييز (بين أولئك الذين يستطيعون والذين لا يستطيعون العبور). انفجرت أزمة الحدود فيما يُسمى بالديمقراطيات الغربية في المجال العام بسبب عدم قدرتها على التحكم في تدفق المهاجرين واللاجئين أو إيقاف الإرهابيين. بالإضافة إلى تفاقم السياسات الأمنية التي بررت الأزمة، وتبرير تأكيد الحدود الإنسانية -أيديولوجياً وسياسياً - كمناطقٍ تداخلت فيها ممارسات المساعدة والإنقاذ مع الممارسات الشُرَطيّة والرفض.

لم تقم أزمة استقبال اللاجئين عام 2015، على سبيل المثال، بتوضيح الخلل الوظيفي في نظام اللجوء الأوربي وبنيته الأوسع فقط، لكنها قامت أيضاً وببساطة بتوضيح كيفية تبرئة الإغلاق والمَنع من خلال سردية "الإنقاذ" ليصبح التحكم في الحدود استراتيجية مُستدامة أخلاقياً (Moreno‐Lax 2018). وعلى أرض الواقع يستمر تقويض سلامة المهاجرين بسبب هذه السياسات التي تزيد من أمن وعَسكَرة الحدود (Williams 2016).

نحنُ مَدينون بالتعريف المُقنِع للحدود الإنسانية لويليام والترز William Walters (2010)، الذي أوضح أن هذه الفكرة قد تبدو مُتناقِصة في البداية. غالباً ما يتم وصف الإنسانية المُعاصرة كونها قوة- باسم الإنسانية المُهددة بالانقراض- تتجاوز المساحة المسوّرة للأنظمة الوطنية والدولية. ومع ذلك يقترح والترزWalters بأنه سيكون من المُضَلّل القيام بوضع أي معادلة بسيطة بين المشاريع الإنسانية ومنطق إضفاء الطابع الإقليمي. في حين أن التَدخُّلات الإنسانية قد تؤكد على بعض معايير الدولة، إلا أن ممارسة القوة الإنسانية ترتبط ارتباطاً جوهرياً بإنتاج مساحات جديدة. من خلال إعادة تعريف مناطق مُعيّنة على أنها "مناطق إنسانية"، فإن العمل الإنساني يقوم بتأمين جغرافية جديدة للمساحات التي تتجسد في أوضاعٍ مُختَلفة، كمناطق الصراع، المناطق المُتأثّرة بالمجاعة، في سياق الدول الفاشلة أو الهَشة، أو في الحالات التي تصبح فيها الحدود الفعلية للدول وبوابات دخول الأراضي الوطنية مناطق تابعة للحكومة الإنسانية (Walters 2010: 139). هذا هو الحال بالنسبة للعديد من الحدود اليوم في أوروبا والولايات المتحدة، والشرق الأوسط، وأستراليا، وأفريقيا. ففي أوروبا على سبيل المثال، يُشير تزايد الحواجز الحدودية ومراكز الاحتجاز والملاجئ من جهة، وتكثيف الدوريات الحدودية والرقابة البحرية والترحيل من جهةٍ أُخرى، إلى خطوة جديدة في تاريخ الحدود الأوروبية: إضفاء الطابع الإنساني على الحدود الأوروبية كمناطق مُتأثّرة بأزمة حادة.

تم تنفيذ مراقبة الحدود تقليّدياً، مع تفويض الحفاظ على سيادة الدولة على المساحات الإقليمية الحصرية من خلال تنظيم مَنْ وماذا يمكن أن يتحرك عبر حدود الدولة، أي ما يدخل وما يخرج من أراضي الدولة الحصرية. ولهذه الغاية، سمحَت مراقبة الحدود بممارسات تتراوح بين العنف المُتَجسّد في تقييد الحركة ومنعها إلى القوّة المادية المُتَمَثّلة في عمل شرطة الحدود (De Lauri 2019a). تداخلت سياسات الحدود بشكل متزايد مع ممارسات الحبس بظهور الحدود الإنسانية (مساعدة اللاجئين والمهاجرين في "بلدانهم الأصلية"). ونتيجة لذلك، تم تأطير مراقبة الحدود الأوروبية وسياسيات الرفض على أنها إجراءات للسيطرة الرحيمة واستجابة للأزمة وانعدام الأمن. حيث أصبح تسيير دوريات على السواحل، وتوسيع نطاق مراكز استقبال المهاجرين، أو المناطق المُسيّجة بمثابة ردود فعل إنسانية على حالات الطوارئ الخاصة بالمهاجرين واللاجئين، وبالتالي ردود فعل على الأزمات الحدودية.

تُعيد العلاقة المُتبادلة بين عمليات البحث والإنقاذ الإنسانية وأداء الدولة على الحدود الأوروبية- على الأراضي الأوروبية- اليوم ديناميكية تُمَثلها العسكرة الإنسانية في جميع أنحاء العالم على أفضل وجه ومنذ عقود: تداخل عمليات الإنقاذ الشُرَطيّة العالمية (De Lauri 2019b). على الرغم من تنوّع السياقات الجغرافية والتاريخية والثقافية التي تميّز الحدود الإنسانية اليوم على الصعيد العالمي، فمن الممكن تمييز ظهور خطاب -عابر للحدود- لأمن الحدود الرحيم والذي يدمج بين الزخم الإنساني والعسكرة، ويُعيد تشكيل التفاهمات الإقليمية التقليدية للحدود (Little and Vaughan-Williams 2017).

Aguilar, P. and Retamal, G. (2009) Protective Environments and Quality Education in Humanitarian Contexts. International Journal of Educational Development, 29: 3–16.

Anderson, A. and Mendenhall, M. (2006) Education and Conflict: Research, Policy and Practice. Forced Migration Review, Refugee Studies Centre.

Barnett, M. and Weiss, T. eds. (2008) Humanitarianism in Question. Politics, Power, Ethics. Cornell University Press.

Constantinou, C. (2013) Between Statecraft and Humanism: Diplomacy and Its Forms of Knowledge. International Studies Review, 15(2): 141-162.

De Lauri, A. (2018) Humanitarian Diplomacy: A New Research Agenda. CMI Brief.

De Lauri, A. (2019a) A Critique of the Humanitarian (B)order of Things. Journal of Identity and Migration Studies, 13(2): 148–166.

De Lauri, A. (2019b) Humanitarian Militarism and the Production of Humanity. Social Anthropology, 27(1): 84–99.

De Lauri, A. ed. (2020) Humanitarianism: Keywords. Brill.

Foley, M.W. and Edwards, B. (1996) The Paradox of Civil Society. Journal of Democracy, 7(3): 38–52.

Gallano, H.R. (2018) Education Capacity Self-Assessment. Transforming the Education Humanitarian Response of the Rohingya Refugee Crisis. Working Document, Bangladesh.

Kenny, M. (2007) Civil Society. www.britannica.com.

Kirk, J. and Winthrop, R. (2007) Home Based Schools: A Transitional Educational Model in Afghanistan. In: F. Leach and M. Dunne (eds.), Education, Conflict and Reconciliation. International Perspectives. Peter Lang.

Little, A. and Vaughan-Williams, N. (2017) Stopping Boats, Saving Lives, Securing Subjects: Humanitarian Borders in Europe and Australia. European Journal of International Relations, 23(3): 533–556.

Maclure, R. (2006) Pragmatism or Transformation? Participatory Evaluation of a Humanitarian Education Project in Sierra Leone. The Canadian Journal of Program Evaluation, 21(1): 107–129.

Magone, C., Neuman, M., and Weissman, F. (2011) Humanitarian Negotiations Revealed. The MSF Experience. Hurst & Co.

Mancini-Griffoli, T. and Picot, A. (2004) Humanitarian Negotiation: A Handbook for Securing Access, Assistance and Protection for Civilians in Armed Conflicts. Centre for Humanitarian Dialogue.

Miglinaité, R. (2015) Global Civil Society as a Humanitarian Actor: Constituting a Right of Humanitarian Assistance. In: P. Gibbons and H.J. Heintze (eds.), The Humanitarian Challenge. Springer.

Minear, L. and Smith, H. (2007) Humanitarian Diplomacy: Practitioners and their Craft. UN Press.

Moreno-Lax, V. (2018) The EU Humanitarian Border and the Securitization of Human Rights: The “Rescue‐through‐Interdiction/Rescue‐without‐Protection” Paradigm. Journal of Common Market, 56(1): 119–140.

Pease, K. (2016) Human Rights and Humanitarian Diplomacy. Manchester University Press.

Pupavac, V. (2005) The Demoralised Subject of Global Civil Society. In: G. Baker and D. Chandler (eds.), Global Civil Society: Contested Futures. Routledge.

Régnier, P. (2011) The Emerging Concept of Humanitarian Diplomacy. International Review of the Red Cross, 93(884): 1211–1237.

Ritaine, E. (2009) La Barriere et le checkpoint: Mise en politique de l’asymétrie. Culture et Conflits, 73: 15–33.

Rosiere, S. and Jones, R. (2012) Teichopolitics: Re-considering Globalisation through the Role of Walls and Fences. Geopolitics, 17(1): 217–234.

Roy, O. (2005) The Predicament of “Civil Society” in Central Asian and the “Greater Middle East.” International Affairs, 81(5): 1001–1012.

Salamon, L.M. et al. (1999) Global Civil Society. Dimensions of the Nonprofit Sector. The Johns Hopkins Comparative Nonprofit Sector Project.

Sinclair, M. (2007) Education in Emergencies. Commonwealth Education Partnerships.

Turunen, S. (2020) Humanitarian Diplomatic Practices. The Hague Journal of Diplomacy, 15(4): 459–487.

Walters, W. (2004) Secure Borders, Safe Haven, Domopolitics. Citizenship Studies, 8(3): 237–60.

Walters, W. (2010) Foucault and Frontiers: Notes on the Birth of the Humanitarian Border. In: U. Bröckling, S, Krasmann, and T. Lemke (eds.), Governmentality: Current Issues and Future Challenges. Routledge.

Williams, J. (2016) The Safety/Security Nexus and the Humanitarianisation of Border Enforcement. The Geographical Journal, 182(1): 27–37.

WHO (World Health Organization) (2007) Civil Society Report. www.who.int.

Humanitarian Diplomacy

Jan 2019 - Dec 2022